web analytics
القسم الخامس عشر – الباب الثاني

الفصل السادس مراحل الانتقال الوطني

من الفوضى إلى المؤسسات

مقدمة الفصل

في أعقاب انهيار الأنظمة السلطوية، لا تولد الدولة الجديدة بمرسوم، ولا ينبثق النظام من العدم.

وفي الحالة السورية، حيث تقاطعت الكارثة السياسية بالتفكك الاجتماعي والتدخل الخارجي والانهيار المؤسسي، فإن فكرة الانتقال من الفوضى إلى الدولة ليست مرحلة زمنية عابرة، بل هي أخطر المفاصل العملية في مشروع النهضة.

هذا الفصل لا يقدّم “توصيات فنية”، بل يؤسّس لرؤية انتقالية قائمة على الواقعية النقدية، تستوعب هشاشة الوضع، دون أن تقع في فخ المساومة أو التبسيط.

إنه طرح تدرّجي متوازن، ينتقل من وقف الانهيار، إلى تأسيس الشرعية، إلى تثبيت البناء، مع مواكبة دائمة للتحديات والمتغيرات، دون التفريط بالمبادئ أو السيادة.

أولًا: المرحلة التمهيدية تثبيت الوقائع السيادية واحتواء الانهيار
تبدأ هذه المرحلة فور انهيار المركز السلطوي أو تحييده، وتُعنى بتثبيت الحدود الدنيا من التنظيم والسيطرة، وتشمل:

  • ضبط الأمن المحلي: تشكيل لجان أمنية مدنية–عسكرية خاضعة لرقابة مجلس السيادة المؤقت، مؤلفة من شخصيات محلّية تحظى بشرعية اجتماعية.
  • تجميد القوانين السلطوية: إلغاء العمل بجميع القوانين السابقة ما عدا ما يرتبط بالخدمات العامة، واعتماد “الإعلان الدستوري المؤقت” كمرجعية ضابطة.
  • تشكيل الحكومة المؤقتة: بتكليف من هيئة سيادية انتقالية تمثّل الطيف الوطني الحقيقي، لا الفصائلية.
  • إعادة تفعيل البُنى الخدمية: عبر الإدارة المحلية، على قاعدة الكفاءة والرقابة المجتمعية المباشرة.
  • إطلاق خطة طوارئ خدمية: تغطي الغذاء، الصحة، الكهرباء، المياه، والإيواء، وتُدار ضمن منطق تشاركي لا مركزي.

الهدف هنا ليس بناء الدولة، بل منع الانهيار الكامل، وتثبيت الوقائع السيادية تمهيدًا للشرعية الدستورية المقبلة.

 ثانيًا: المرحلة التأسيسية إعادة تعريف الدولة وإرساء الشرعية المؤقتة
مع بدء استقرار الحد الأدنى، يبدأ الانتقال إلى البناء المؤسسي القيمي، وتشمل هذه المرحلة:

  • عقد مؤتمر وطني تأسيسي شامل: يقر خارطة الطريق، ويصادق على الميثاق الوطني، وينقّح الإعلان الدستوري المؤقت.
  • تأسيس مجلس النهضة الوطني: بوصفه السلطة السيادية العليا خلال المرحلة الانتقالية، يضبط التوازن بين السلطات ويشرف على التنفيذ.
  • إعادة هيكلة الوزارات السيادية: مثل الدفاع، والداخلية، والعدل، والعلاقات الخارجية، وفق تمثيل وطني لا فئوي.
  • إطلاق منظومة العدالة الانتقالية: عبر هيئة مستقلة تحقّق، وتُحاسب، وتُعيد الاعتبار للضحايا، دون انتقام أو نسيان.
  • وضع أجندة زمنية واضحة للاستحقاقات الكبرى: تشمل الاستفتاء الدستوري، والانتخابات، وتدوير السلطة الانتقالية.

هدف هذه المرحلة هو إنتاج شرعية سياسية–أخلاقية عقلانية، تعكس الإرادة الشعبية لا توازنات القوة الفصائلية.

ثالثًا: المرحلة السيادية من الهشاشة إلى الترسيم المؤسسي
عندما تثبت الدولة الناشئة قدرتها على الاستمرار والانضباط، تبدأ مرحلة البناء المستقر، وتشمل:

  • إطلاق المسار الدستوري النهائي: بمشاركة شعبية موسعة، ينتهي باستفتاء على الدستور الدائم.
  • إجراء انتخابات وطنية ومحلية: على أساس قانون انتخابي عادل يعكس التعدد المجتمعي والسياسي.
  • دمج القوى المحلية والمسلحة: في مؤسسات الدولة الأمنية، ضمن برنامج إعادة هيكلة صارم يخضع للرقابة المدنية.
  • إطلاق النموذج الاقتصادي النهضوي: يحقق عدالة التوزيع، وتمكين الإنسان، وتنمية الأطراف.
  • إعادة بناء السياسة الخارجية: من موقع السيادة والاستقلال، لا التبعية أو المساومة.

في هذه المرحلة تُستعاد الدولة، لا ككيان بيروقراطي، بل ككائن حيّ نابع من إرادة الناس، وملتزم بخدمتهم، وخاضع لمحاسبتهم.

رابعًا: التهديدات المحتملة لمسار الانتقال
الخبرة السورية والدولية تُظهر أن مراحل الانتقال مملوءة بالأفخاخ، ومن أبرز التحديات:

  • إعادة إنتاج السلطة القديمة بعناوين جديدة.
  • استنزاف الدولة الناشئة بفعل تدخلات الخارج و”صفقات النفوذ.
  • تحوّل الفصائل المسلحة إلى كيانات موازية تُقوّض الدولة.
  • فشل الأداء الحكومي في تحقيق الحد الأدنى من العدالة والخدمات.
  • استمرار الإقصاء السياسي أو التمكين الحزبي المصلحي الضيّق.

ولهذا، يجب أن تترافق كل مرحلة بـ:

  • آلية رقابة مستقلة.
  • خريطة مراجعة دورية.
  • مرونة تكتيكية لا تمسّ الثوابت.
  • إشراك المجتمع المحلي كضامن دائم لا كمتفرّج.

خاتمة الفصل
الانتقال الوطني ليس مرحلة عبور، بل اختبار طويل لوطن يعيش على شفا إعادة التأسيس أو السقوط مجددًا.
إنه لحظة تتصارع فيها بقايا الماضي مع بذور المستقبل، ويُوزَن فيها كل قرار بميزان الأخلاق، والسيادة، والفعالية.

ومن هنا، فإن هذا الفصل لا يقدّم توصيفًا إجرائيًا فقط، بل يُمثّل البنية التنظيمية العليا للمشروع النهضوي، ويُعلن أن زمن الشعارات قد انتهى، وأن الطريق إلى الدولة لا يُعبّد إلا بالتخطيط، والتدرج، والمراقبة، والانتماء العميق لمصيرٍ جماعي لا يُصنع من فوق.